محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها ، خَصَّ بها نفسه دونهم ، وذلك مثلُ " الله " و " الرحمن " و " الخالق " ؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضهم بعضًا بها ، وذلك : كالرحيم والسميع والبصير والكريم ، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه ، ليعرف السامعُ ذلك مَنْ تَوجَّه إليه الحمد والتمجيدُ ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره ، بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعاني . فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو " الله " ، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه ، لا من جهة التسمِّي به ، ولا من جهة المعنى . وذلك أنا قد بينَّا أن معنى " الله " تعالى ذكره المعبود ( 1 ) ، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله ، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه ، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي ، وبحسَنٍ وهو قبيح . أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ ) فاستكبر ذلك من المقرِّ به ، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن : ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [ سورة الإسراء : 110 ] . ثم ثنَّى باسمه ، الذي هو الرحمن ، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به ، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه . وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه ، ببعض صفات الرحمة . وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه . فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو " الله " . وأما اسمه الذي هو " الرحيم " فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به . والرحمة من صفاته جل ذكره ، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها ، بعد تقدم الأسماء عليها . فهذا وجه تقديم اسم الله
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أن معنى الله هو المعبود " .